مقال رائع آخر للكاتب عبدالله المغلوث - “لاكن”

“لاكن”

رسالة زميلي للدكتوراة في التاريخ يشرف عليها أستاذ يكتب “لكن” هكذا: “لاكن”. ماذا ننتظر من هذا الدكتور؟ ماذا ننتظر من طلابه؟
قطعا، ينتظرنا مستقبل متخم بالأخطاء اللغوية، والإملائية، والرسائل غير الصالحة للقراءة.
كنت أعتقد أن الأخطاء التي نقترفها بحق لغة الضاد تقتصر على كراسات الأطفال، والرسائل المتبادلة بين المحبين، ونوافذ الماسنجر، لكن يبدو أنها وباء تسلل إلى كل منزل، إلى كل شريط إخباري، إلى كل دفتر، إلى كل فصل، إلى كل رأس، وإلى كل شارع.
شوارعنا أصبحت لا تطاق. اللافتات الزاخرة بالأخطاء تسكن كل ركن وزقاق. لا يمكن أن تسلك شارعا دون أن تجد لوحة إرشادية أو أخرى دعائية تصفعك بألف أو همزة زائدة!
فالكثير من المعلنين يكتبون: (نرجو، ندعو) بألف بعدها، بينما الواو هنا حرف علة وليست واو الجماعة.
(سجل اسمك معنا) جملة تتوسل المتلقي في الشوارع والرسائل الإلكترونية وتكتب دائما على نحو غير صحيح عندما تتكئ على همزة. فكلمة(اسم) من دون همزة لأنها همزة وصل وليست قطع.
في الخبر، إشارة ضوئية عملاقة تتشبث بها لوحة توجيهية مستفزة تقول:”لا تقد سيارتك بدون ربط حزام الأمان”. وأثارت الجملة حفيظتي لسببين؛ أولهما صياغتها الغليظة، وثانيهما أن كتابة كلمة”بدون” مع حرف الجر خطأ، والصواب: “دون” أو”من دون”. ووجه الخطأ حسب مدونة”لغة الضاد” يتمثل في أن الباء تفيد الاستعانة والمعية، ودون تفيد الاستثناء. ولا يجوز الجمع بين الضدين. فكيف يمكن أن يستقيم المعنى في “حضر الجميعُ بدون (مع ومن غير) محمد؟ إذاً؛ الصواب هو أن نقول:”حضر الجميعُ دون محمد” أو “حضر الجميعُ من دونِ محمد”.
وفي ذات السياق أصدرت الزميلة العزيزة حياة الياقوت في يوليو عام 2006 ،كتابا مميزا بعنوان: “من ذا الذي قدًّد البيان؟”، رصدت من خلاله بالكلمة والصورة الأخطاء الجسيمة التي ترتكب في حق لغتنا.
فقد جابت الشوارع حاملة عدستها وأصابعها راصدة ومدونة الأخطاء بعمق وظرافة قلما يجتمعان في منتج واحد. تقول عن تجربتها: “إنّها محاولة، إنّها راية حمراء أرفعها، علامة استفهام أشهرها”.
وتعلق حياة على العبارة التالية التي وردت في إحدى الإعلانات:”عبوته صنعت في جدة”، قائلة:”هذا الإعلان طريف جداً، فمن يقرأه سيعتقد أنّ عبوة الحليب صنعت لدى جدّه، أي والد أمه أو أبيه! عذرا، فهذا ما تدل عليه كتابة الكلمة بهاء بدلا من كتابتها بالتاء المربوطة”.
ومن الأخطاء الشائعة التي تصدت لها حياة عبارة”إن شاء الله”، وتعني إذا شاء الله وأراد، بينما “إنشاء الله”تعني خلق الله، والكثير يقصد العبارة الأولى ويكتبها كالعبارة الثانية. وسبحان الذي إن شاء، إنشأ.
وتقول حياة أيضا لا يصح أن نقول “خُضار”، وكذلك لا يصح أن نقول:”خُضروات”. الصحيح هو “خضراوات” بفتح الخاء وبألف بعد الواو لأنها جمع “خضراء”، ويمكن أن نقول “خُضر” كذلك.
ومن الأخطاء البشعة التي أطالعها كل يوم مئات المرات، الخلط بين التاء المربوطة، والمفتوحة، وبين المربوطة والهاء.
في الرياض وحدها أحصيتُ 14 لافتة كتب عليها “جامعه الملك سعود” والصواب “جامعة الملك سعود”. والتاء المربوطة تنطق هاءً عند الوقوف وتاءً عند الوصل، ولابد أن تعلوها نقطتان، وتكتب (ـة ) و (ة) مثل: جامعة، فاطمة، حمزة. أما الهاء فتنطق عند الوقف والوصل هاء وليس عليها نقطتان، وتكتب (ـه ) و ( ه) مثل : كِتابهُ، قلمهُ، صدِيقهُ.
على البلديات أن تعين مصححين لغويين يقومون بمراجعة كل لافتة ودعاية لغويا قبل إطلاق سراحها.
الأخطاء الغفيرة التي نطالعها في شوارعنا وتلفزيوناتنا ودفاترنا تلوث أبصارنا وتسهم في انتشارها. فالطفل الذي يقرأ “جامعه” هكذا. سيكتبها من دون نقطتين عندما يكبر ويملؤنا بها. ألم تتساءلوا كيف يكتب بروفسور “لاكن” بألف، بالتأكيد التقطها عندما كان صغيرا من شارع أو دكان أو جريدة.

*كاتب سعودي

هذا الرابط الأصلي للمقال في الوطن.. على اليسار هناك قائمة بمقالاته و معظمها يستحق القراءة ^^ استمتعوا

“لاكن”

الجاكيت!!

الفترة الماضية كنت حزينة و مكتئبة.. هكذا بلا سبب غير حقيقة أن هناك الكثير من الغلط في هذه الدنيا..

===

قبل أسبوعين كنت في كافيتيريا كلية الآداب مع صديقاتي.. على رأس كل ساعة كنا ننقص واحدة: واحدة لتلحق بمحاضرتها و أخرى كي لا تفوت باصها.. في الساعة الثانية ظهراً لم يكن هناك غيري على الطاولة, ثم رن هاتفي ليعلن وصول السائق.. لم أكن أتوقع أن يصل مبكراً, فقمت بسرعة لأن الطريق للبوابة سيستغرق خمس دقائق على أقل تقدير و أنا متعبة و لا طاقة لي للركض.. أظن بأنني فقدت القدرة على هذا منذ أن دخلت الجامعة..

قبل أن أخرج من المبنى انتبهت أنني نسيت جاكيتي الجديد في الكافتيريا (أجل الدنيا عندنا حر, و لكن بعض المباني كأنها الإسكيمو ).. عدت بسرعة, هذه المرة ركضاً!!

كان المكان فارغاً تقريباً و أغلق أحد مصراعي الباب.. لم يكن هناك غير خالة تعمل هنا.. لم يكن الجاكيت على الطاولة, و لم ألمحه و أنا أقلب بصري بسرعة في أرجاء المكان الفارغ الآن..

سألت الخالة المسنة التي تنظف المكان و تستعد لإغلاقه إن كانت رأت جاكتا مخطط بني و بيج.. و سرعان ما ندمت على ذلك, فالمرأة الطيبة كانت دفاعية جداً.. “والله يا بنتي ما شفته.. و رب الكعبة لو شفته كان شلته لكي..” والله و والله!؟!

لقد كان في صوتي نبرة إستفهام واضحة, و لم أرى سبباً لفزعها.. أعتقدها ظنت بأنني اتهمها لا سمح الله!!

” أعرف يا خالة.. بس يعني الله يخليك لو شفتيه شيلي ليا و اديني هو بعدين.. طيب؟”

“إن شاء الله !! “

“شكراً, الله يسعدك!”

رن جوالي ثانية, و قررت بأن أسرع للبوابة فقد “لطعت” الآدمي بما فيه الكفاية!! و انتهى الأمر على هذا..

===

أمس و أنا أعدل عبائتي لأصلي الظهر على السجادة قرب نفس الكافتيريا.. رأيت واحدة من العاملات الجديدات اللاتي بدأن العمل هذا العام فقط.. و كانت ترتديه!! الجاكيت الذي أضعته.. جاكيتي, إنه هو!!

أعتقد بأن أحداً أخذه للشؤون و أعلنوا عنه.. و عندما لم يأتي أحد لأخذه تركوه لمن وجدته.. هذا السيناريو الذي فكرت فيه!

صليت ثم بقيت أنظر إليها و هي تروح و تجيء.. بصراحة كان يبدو لطيفاً عليها, و أعتقد بأنها هي نفسها كانت تشعر بذلك أيضاً..

هل أطلبه منها؟؟

===

قبل قرابة ثلاثة أسابيع, كنت في أحد محلات الملابس المنثورة على طول شارع التحلية أجادل والدتي في شرائه.. تركته, و لكن عيني بقيت عليه طيلة الوقت قبل أن نحاسب.. ثم إنني لم ألبث إلا أن عدت له و أخذته.. داومت به طيلة ذلك الأسبوع..

و قبل أسبوعين, في صباح ذلك اليوم بالتحديد, نسيت الجاكيت على مدخل المنزل و نادتني أمي التي - عادةً ما تكون نائمة في ذلك الوقت- لأخذه معي..

و أخذته!! أخذته لأنساه في الكافتيريا!! نسيته في الكافتيريا لتلتقطه هي.. لتلتقطه و تفرح به..

لم أجد في نفسي القوة لأذهب و أطالب به.. ليس لأنني زاهدة في الجاكيت ( لا والله لا زلت أريده بشدة! ) و لكن لأنني أشعر بأن كل شيء كان مرتباً لأجلها هي!!

===

الخلاصة: أشعر بأن نفسيتي أحسن حالاً الآن.. إن كان الله يرعى عباده هكذا, فكل شيء يهون!!

أجمل فيديو شاهدته هذا الأسبوع: لقاء مع د. روحي البعلبكي

سمعت صوته..

في حياتي لم أحب الفصحى باللهجة المصرية كما أحببتها منه.. لسبب ما تذكرت الشيخ الشعرواي ^^ يمكن بسبب الصور

ذكرى شاعر و أديب و قصاص و ناقد و ذكرى صديق.. تلك جملة من الذكريات التي تتردد في ذكرى وفاة المازني -رحمه الله- و لولا أن الصداقة شأن يعني المتكلم و لا يعني حضرات المستمعين لقدمتها إلى المكان الأول بين هذه الذكريات.. و لكنني أقدم من صفاته في ذكراه صفة تجب لها العناية في حساب الأدب و التاريخ و يتناولها البحث كثيراً في سياق الكلام على ملكاته و على أعماله الأدبية و هي ملكة الشاعرية..

منذ أيام جرى ذكر المازني كما يجري في كل ندوة أحضرها.. فسألني أديب سوداني: ” أصحيح أن المازني طلق الشعر برأيكم و من أجلكم؟”.. قلت إنه بالبداهة غير صحيح, لأن رأيي الذي أعلنته غير مرة أن المازني شاعر مطبوع و أنه إذا وجب أن ينتمي إلى الشعر أو إلى الكتابة فالشعر أولى به من الكتابة.. و قد عاتبته في مقال نشرته لاستخفافه بشاعريته و قلت إن هذا الاستخفاف حيلة منه كعادته.. إذ يلقي إلى الناس كل ما ينفسونه عليه فإذا علموا أنه لا يبالي الشهرة بالشعر, (أقلعوا) عن الممانعة في هذه الشهرة كعادتهم أيضاً في منع كل مطلوب و السخاء بكل مزهود فيه..

و قد يسبق إلى الذهن أن الإنسان أعرف بنفسه و أقدر على وزن أعماله و ملكاته, و لكننا لا نراجع هذا الظن هنيهة حتى ينكشف لنا مقدار الخطأ الكبير الذي ينطوي عليه.. إننا لا نتلقى ثناء الإنسان على نفسه حجة قاطعة في تقدير حقه, و لا نقول لمادح نفسه إنه أعرف بها من سواه, و ينبغي أن يسري ذلك على الذم كما يسري على المدح..

الواقع أن العقل يصيب في الحكم على قدر إستقلاله بين دوافع الشعور, و ليس من السهل أن يستقل الإنسان عن شعوره بمواطن قوته و مواطن ضعفه أيضاً فهو عرضة للمبالغة في الحالتين.. و قد يكون ألمه من شعوره بالضعف أشد من ألم الغريب واضحاً أمام عينيه, محتجباً عن سائر العيون.. بل قد يكون الكمال الذي تطلع إليه و لم يدركه وا ضحاً أمام عينيه محتجباً عن سائر العيون.. فلا توزن الحقيقة وزناً صحيحاً بميزان سخطه و رضاه..

قيل لأب حكيم: ” أي أبنائك أحب إليك؟”, قال: ” الصغير حتى يكبر, و الغائب حتى يحضر, و المريض حتى يشفى”.. فالأب يعطي أبنائه الحب على قدر حاجتهم إليه و لا يعطيهم الحب على قدر استحقاقهم إياه.. و شبيه بهذا حب الأديب لثمرات أفكاره, فإنه قد يحابي في حبه و قد يزيد في جانب و ينقص في جانب, على قدر الهوى لا على قدر الحساب النزيه و النقد الصحيح..

و لا ننسى في جميع هذه الاعتبارات أن الحكم الأول و الأخير على عمل من أعمال الأدب إنما يرجع إلى محاسن ذلك العمل و عيوبه, و إلى المقاييس الصحيحة التي نقيس بها تلك المحاسن و العيوب

- انتهى -

لماذا يبدو لي و كأن الأدب و الفكر توقف!!

أما المازني فلا شك بأنه شاعر, عرفت هذا من فصل الترجمة, فلو قرأت له هذه القصيدة:

           أبـعدوا عنـي الـشفاه اللـواتي       
                             كـن يـطفئن فـي أوار  الصادي
           أغمضوا دوني الـجفون الـلواتي
                            هـن فـجر يضـل  صـبح العباد
           واسـتردوا إن استـطعتم مـردًا
                            لثمـاتي مـن الـخدود الـنوادي
كـن للحـب خـاتـمًا وأراهـا
                           عـبثًا مـا طـبعن فـي  الأجياد

هل ستشعر و لو مجرد شعور بأنها ليست سوى ترجمة حرة لواحدة من سونيتات شكبير؟؟

Take, O take those lips away
That so sweetly were forsworn
And those eyes, the break of day
Lights that do mislead the morn,
But my kisses bring again-
Bring again
Seals of love, but seal’d in vain
but seal’d in vain

بالطبع هناك ترجمات أقرب.. بمعنى أنها حافظت على شكل السونيت الشكسبيري.. لكنني أفضل هذه عليها..

غزة

أنا لا أشاهد الأخبار و لا أقرأها..

فلسطين, العراق.. ربما لبنان تبدو واحة أمن مقارنة بهما..

لا أفهم لماذا حماس و فتح يقتل بعضهم بعضاً و لماذا محمود عباس يرتدي حذاء بعشرين ألف يورو.. و لا أفهم لماذا لا زالت أمريكا في العراق, و لماذا لو خرجت قد تبدأ حرب بين من عاشوا قروناً في وئام - و إن كان نسبياً-.. و لا أفهم لماذا لا زال لبنان بلا رئيس..

و لكن أنا فهمي على قدي فيما يتعلق بهذه الدنيا الغريبة عني و أهلها يبدون لي مخيفين..

سأدعو يا غزة.. سأدعو لك و لنفسي.. يجب أن أدعو لنفسي كثيراً..

رحمك الله يا حمزة شحاتة.. هل كنت تقصدني حين قلت:

” النعمة لا تبطر.. و لكنها قوة تجعل الإنسان انفرادياً, فهي تسد مسام الشعور و الإحساس و تقفل نوافذ النفس..”

أنا لا نوافذ لي و لا مسام لافتحها.. أما أنتِ يا غزة, فحتى يصلح الله ما بهذه القلوب ليس لك غير الله..

اللسان تحت رحمة الأفكار (أو ربما العكس)

ألم تشعر أحياناً بأن “لسانك يقلب” عندما تنفعل؟؟ أنا مثلاً بدأت هذه الأيام ألاحظ أنني كلما غضبت انقلبت موجتي على الانجليزية -_-!!

عندما تعيش في مدينة كبيرة ستتحدث لهجتها لكن تبقى هناك كلمات خاصة تستخدمها مع كبار السن في عائلتك الذين لا زالوا محافظين على لهجاتهم الأصلية لأنهم عادة هجروا القرية للمدينة و قد كبروا.. يحدث أحياناً أن تفلت مني مفردة سمعتها من جدتي و حينها علي أن أوضح المعنى لمن أحدثه و لكن هذا لا يحصل إلا إذا انفعلت..

أتذكرون “صادوه”؟؟ عندما رتب مقلباً مع الفنانة هبة الدري.. كنت أعرف بأن هبة مصرية لكن مع ذلك فقد صدمت عندما “انقلب لسانها” عندما استشاطت غضباً من المذيع.. لقد بدأت تتحدث مصرية خالصة ليس فيها أثر من اللهجة الكويتية, تماماً كما تتحدث الخليجية ببراعة دون أن تقع أذنك على أثر من اللهجة المصرية..

أعرف أناساً يجيدون عدة لهجات في وقت واحد.. و يستطيعون أن يبدلوا بينها بسهولة و على حسب من يكلمون.. هذا أمر أجده مذهلاً

لكن المثير للإهتمام هو أنه حتى أفكارك قد تقلب أحيانا!!

هناك شاعرة يابانية أحبها كثيراً و أحب شعرها مع أنني لم أقرأ غير المترجم منه اسمها يوسانو أكيكو.. هذه المرأة كانت معتزة جداً بكونها امرأة و كانت تعبر عن هذا بجرأة.. أردت أن أترجم شعرها للعربية لكنني لم أستطع >,<.. شعرت بأن ما كان “جرأة” بالانجليزية أصبح مجرد “وقاحة” بالعربية, على الأقل بالنسبة لي..

لم أفكر من قبل لماذا عندما كنا فتيات نتبادل دفاترنا لكتابة تذكارات لبعضنا البعض, كان معظمنا يكتب بالانجليزية و يكتفي بالبسملة في بداية الصفحة بالعربية و الدعاء بالتوفيق في آخرها!! لقد اعتدنا بأن هذا الكلام عيب.. عيب تتكلم عن الحب, لكن يبدو و كأنه لا بأس أن تتكلم عن love!!

يظهر أننا عندما تعلمنا اللغة من مجتمعنا تعلمنا أن هناك “شي ينقال و شي ما ينقال”!! هذا أيضاً مذهل!!

هذا مقال قرأته اليوم و أعجبني:  حتى أنت يا غوغل-محمدعلي الهرفي

ثريا قابل و فوزي محسون من جديد

كلمات : ثريا قابل

ألحان و غناء: فوزي محسون

مشروع الترجمة للمأمون يبعث في تونس وابوظبي - بقلم: د. هيثم الزبيدي

أعرف أنه ليس جيداً أن تنقل موضوعاً من مكان آخر لكن هذا مهم و أحب أن يقرأه الجميع!! آسفة!!

ماذا نترجم؟ وكيف؟

مشروع الترجمة للمأمون يبعث في تونس وابوظبي


الرئيس بن علي والشيخ محمد بن زايد يتبنيان مشروعين قوميين طموحين للترجمة.

ميدل ايست اونلاين
بقلم: د. هيثم الزبيدي

قد يصبح عام 2008 واحدا من اكثر الاعوام اهمية في التاريخ الثقافي الحديث للمنطقة العربية. فلأول مرة، ربما منذ ان امر الخليفة العباسي المأمون بان تصبح الترجمة مشروعا قوميا قبل اكثر من الف عام، تحظى مشاريع الترجمة في العالم العربي بأهمية مثل تلك التي توليها لها الان تونس وابوظبي.

لا حاجة لتقديم ادلة على اهمية قرار المأمون. فالفخر الذي سجله التاريخ له ولبغداد وللعباسيين حقيقة مسلم بها. والانجازات التي لحقت هذا الانجاز الكبير، ربما هي ما نردده عن اهمية الحضارة العربية الاسلامية وما قدمته للبشرية من عطاء. وثمة اجماع شبه كامل بين المؤرخين على ان حركة الترجمة تلك هي ما قدح زناد ثورة المعرفة التي اعقبتها واستمرت لقرون.

تونس قررت ان تجعل العام 2008 عاما للترجمة. وابوظبي اطلقت مشروع “كلمة” لكي يكون لبنة اساسية من لبنات مشروعها الكبير لأن تصبح العاصمة الثقافية للمنطقة.

انهما تستعيدان مبادرة كانت حجر الاساس في حضارتنا العربية الاسلامية.

***

هل الترجمة بهذه الاهمية؟ أم معرفة اللغات الحية اجدى وانفع؟

سؤالان محيران. ولكن الاجابة عليهما تسمعها في طرابلس وعلى لسان اكاديمي محترف.

ففي مؤتمر الترجمة الثالث في نوفمبر الماضي، شخّص الدكتور صالح ابراهيم عميد اكاديمية الدراسات العليا الليبية جواب السؤالين المحيرين. إذ ذكّرنا بأن التقدم لم يكن يوما صنوا للشعوب التي تتعلم لغات اجنبية، بل الشعوب التي تستطيع ان تنقل معارف الاخر الى لغتها. “فالعرب في السابق تقدموا بالترجمة وليس بتعلم اللغات الأخرى، فتعلم اللغات لا يؤدي إلى إحداث نهضة للأمة، إنما الترجمة ونقل العلوم هما الأساس في إحداث النهضة” على حد وصفه.

كم هي دقيقة هذه الاجابة، وكيف - في زحمة العولمة - يمكن ان تغيب عنا.

ثمة معطيات كثيرة تؤيد هذه الاجابة، ليس اخرها الدلائل التاريخية في ماضي الدول القريب والبعيد.

خذ حجم انتشار اللغتين الانجليزية والفرنسية في الدول الافريقية. فالقارة السمراء تتكلم اللغتين اكثر مما يتفاهم مواطنوها بلغاتهم الام. هل قاد ذلك الى تقدم فكري وعلمي وثقافي فيها؟ لا يمكن لرد موضوعي ان يكون بالإيجاب. لا شك ان ثمة مشاكل اخرى تعيق التقدم والتطور في افريقيا، ولكن تعلم اللغات الاجنبية واتقانها لم يغيرا الكثير.

الترجمة شيء اخر. انها اشارة واضحة تطلقها الشعوب لتبيان رغبتها في التحديث والتواصل مع الاخر من خلال افضل ما يقدمه من فكر وثقافة ومعرفة. وليس من قبيل المصادفة ان يأتي المشروعان من تونس وابوظبي/الامارات. فكلا البلدين يعدان انموذجين لمحيطهما الاقليمي. ومشاريع الحداثة والتطوير تجري على قدم وساق فيهما. والترجمة تأتي خطوة اخرى مهمة على طريق هذا التحديث والتطوير. وراعيا المشروعين، الرئيس التونسي زين العابدين بن علي وولي عهد ابوظبي الشيخ محمد بن زايد، برهنا بتبنيهما شخصيا للمشروعين عن وعي رفيع بأن الشوارع والابنية الفخمة التي تشيد في بلديهما لا تكفي لوحدها في ان تنتقل بشعوب بلديهما من قائمة الدول النامية الى مصافي الدول المتقدمة.

وللدلالة، فان ايا من البلدين ليس عاجزا في اللغات الاجنبية. امشِ في شارع تونسي وتحدث بالفرنسية ولن تصادف الا تونسيا يرد عليك بالفرنسية وبطلاقة. وتجول في ابوظبي لتجد ان فرصتك بالتحدث بالعربية مع من حولك هي اقل من الانجليزية بحكم التواجد الكبير للعاملين الاجانب فيها.

حتى الحديث بلغة اجنبية قد يكون مخادعا ويوحي بمعرفة غير موجودة. إذ يمكنك التفاهم مع وسط يتحدث بلغة اجنبية بعد ان تتعلم ما لا يزيد على 5 الاف كلمة. هذه حقيقة تتلمسها في اي من شوارع لندن “العربية” التي يعتقد مرتادوها انهم يتكلمون الانجليزية، بل ويتقنوها، لكن اغلبهم يهرع الى صديق عارف ما ان يتسلم رسالة فيها بعض التفاصيل التي تتجاوز عبارات الترحيب او عندما يطلب منه ان يملأ استمارة معلومات فيها بضعة جمل.

هذه التجربة تتكرر مرارا بالنظر الى ما يقرأه – بالانجليزية - المقيمون من العرب، مثلا، في بريطانيا واميركا الشمالية. تابع ما يكتبون عنه وهم في دول المهجر فسترى انقطاعا شبه كامل عما ينشر ويتداول في الغرب. انهم يتحدثون بالانجليزية ولكنهم لا يقرأون بها.

فهم ثقافة شعب وطريقة تفكيره تتجاوز كثيرا تلك المفردات الخمسة الاف وتحتاج الى معرفة ودراية، لا بالمفردات وحسب، بل بكيفية استخدامها وبالنمط الثقافي الذي تمثله. فما يضحك الانجليزي، يبدو نكتة سمجة للاميركي، رغم انهما يتحدثان لغة شبه متطابقة.

النهضة العربية المعاصرة ابتدأت مع انتشار الترجمة والطباعة في العالم العربي في مطلع القرن العشرين. صرنا نقرأ الروايات المترجمة، فنكتب اعمالا تنتمي للرواية الحديثة. واصبحنا نقرأ الشعر الانجليزي المتمرد على الوزن والقافية، فاحدثنا ثورة الشعر الحر في امة الوزن والقافية.

وليس من العسير ان نجري مقارنة بين الفترة التي صاحبت انتشار الترجمة في العالم العربي، الفترة التي صار كثيرون يعتبرونها عصرا ثقافيا ذهبيا، وبين فترة الانكماش واهمال الترجمة التي اعقبتها والتي انتجت عصر التشدد الذي نعيشه. فثمة عوامل كثيرة للتراجع والانكماش، ولكن الافتقاد الى الدماء الفكرية والمعرفية الجديدة كان سببا مباشرا لما نحن فيه.

***

مرة اخرى نسأل ترجمة ام لغات اخرى.

ونرد، لاسباب اقتصادية بحتة، ترجمة.

لو قررت ان تستورد ما يطبعه الاخرون من كتب بلغاتهم، فلمن ستكون الفائدة الاقتصادية؟ انها ولا شك لدور النشر الغربية. في حين يضع الكثير من الناشرين في بلداننا ايديهم على خدهم ينتظرون الفرج.

حركة الترجمة النشيطة يمكن ان تعيد مكائن الطباعة في بلداننا الى الدوران.

ولاسباب اقتصادية ايضا، ستصلنا الكتب المترجمة ارخص كثيرا. فالكتاب في الغرب مرتفع الثمن لانه ينجز بكلف مرتفعة ويباع لشعوب ذات دخل مرتفع. في حين ان ثمن كتاب مشترى من الغرب قد لا يقل عن دخل اسبوع، وربما شهر، لبعض الافراد في عدد لا بأس فيه من الدول العربية، وربما اكثرها سكانا. الترجمة هنا تمنحنا الاكثر مقابل القليل.

ثم ان الترجمة تفترض التمحيص فيما يتم اختياره للترجمة. نحن امم نامية وفوضى الكتب ستوقعنا في حيرة. في حين ان منْ يترجم سيقرأ، ربما، 10 كتب ليختار منها واحدا لكي يُترجم. وهنا نبتعد عن وفرة الترف ونستأثر بوفرة الاختيار، ونكون قد وفرنا ايضا.

***

ولكن ماذا نترجم؟ وكيف؟

ترجمة الكتب العلمية الاكاديمية من هندسة وطب وعلوم نظرية، عبث. وقد جربت الكثير من الامم المتقدمة هذا العبث وانتهت الى ان اللغة الانجليزية هي لسان العلم الاكاديمي وهي الوسيط لتبادله. وبعد ان كابرت دولة مثل فرنسا بان “كل شيء يجب ان يكون مكتوبا بالفرنسية” في جامعاتها ومعاهدها البحثية، تراجعت واعترفت بأن الانجليزية ليست لغة بريطانيا، الند التقليدي لفرنسا، بل لسان العالم.

نفس الشيء يقال عن المانيا. تصفح قائمة اهم دور النشر الاكاديمية في العلوم التطبيقية فستجد انها دور المانية تنشر بالانجليزية.

هل نزايد على شيوعية الصين او عنصرية اليابان؟ لكن هذه الدول تنشر ما تنتجه من علوم بالانجليزية.

الكتب التي تستحق ان تترجم من اللغات الاجنبية الى العربية اكثر من ان تعد او تحصى. فثمة آفاق فكرية وثقافية وعلمية (ليس بالمعنى الاكاديمي الصرف) وسياسية واقتصادية في كتب تنتظر ان تصبح في متناول القارئ العربي. اما ما انتج من ادب عالمي خلال اكثر من نصف قرن مضى فيكاد كله، تقريبا، ان يكون بعيدا عن ارفف المكتبة العربية.

القوائم التي اعدها مشروع “كلمة” في ابوظبي تبشر بخير. وحتى ان لم توفق الهيئة المشرفة على المشروع في بعض الاختيارات، فأن العدد السنوي المقترح للكتب المترجمة سيعوض كل اخفاقة. وها نحن ننتظر ما ستقدمه الهيئة المشرفة على الترجمة في تونس، وان كنا نتوقع منها ان تضع في حسبانها اهمية اللغات العالمية الاخرى، وخصوصا الفرنسية، التي يكاد القارئ العربي ان يكون محروما مما ينشر بها.

***

هل نحن في حاجة الى هيئة عربية مركزية لتنظيم الترجمة ومنع التكرار؟ لا، ولاسباب عديدة.

اولا، لان العالم العربي ليس في حاجة الى الية مركزية متخشبة تضاف الى اليات مؤسسة الجامعة العربية.

وثانيا، لان العرب بيروقراطيون وسينتجون ورقا اداريا لاجراءات كل كتاب يزيد عن عدد صفحات الكتاب نفسه وفي فترة تزيد عن الزمن اللازم لترجمة الكتاب وتنقيحه وطباعته وتوزيعه.

حتى التكرار في الترجمة والنشر هنا، يأتي بفوائد عديدة، والامثلة كثيرة. فماذا يضير إنْ ترجم مطاع صفدي كتاب فرانسيس فوكوياما الاشهر “نهاية التاريخ والانسان الاخير”، لنجد ان حسين الشيخ ومحمود امين العالم فعلا نفس الشيء؟ (بعنوانين مختلفين هما “نهاية التاريخ” للشيخ و”نهاية التاريخ وخاتم البشر” للعالم) الا يفيدنا هذا من ناحيتين؛ استحداث منافسة بين المترجمين المحترفين، وتقديم فرصة للباحثين والمهتمين لاجراء مقارنات في صياغات الترجمة؟ ثم هل تعرفون ان ثمة ترجمة جديدة كل 10 سنوات تقريبا لاعمال فرانز كافكا من الالمانية الى الانجليزية.

***

هناك العديد من مشاريع الترجمة في البلاد العربية التي تستحق التقدير، مثل المشروع القومي للترجمة في مصر وسلسلة عالم المعرفة في الكويت. ورغم اهمية ما تقدمه هذه المشاريع، الا انها تحتاج الى المزيد من الدعم والمتابعة وان تتحول الى مشاريع قومية حقيقية.

هل نطلب مستحيلا ان تمنينا ان تصبح مشاريع الترجمة بأهمية مشاريع توفير الخبز وشق الطرقات؟

ألم يفكر المأمون قبل الف عام ويزيد بهذه الطريقة؟

مقال عن التانكا نشر في مجلة “فيلينغز” -دورية تعنى بالشعر و الفكر الشعري ( 2 من 2 ) 2

شكراً لمنى و علوش على المساعدة.. لم يقبل بنشر التدوينة إلا بعد أن قسمتها لجزئين.. شكلها كانت طويلة عليه ^_^!!

بقلم/جين ريتشهولد

هناك جانب آخر مهم للتانكا تجاهلها الشعراء الغربييون بشكل كبير و هم معذورون, فتقنياتها تتطلب درجة عالية من الحساسية و الذوق المرهف لم يصل إليها معظمنا. الشعر الياباني عموماً ينعم في التلاعب اللفظي بأربعة أبجديات في لغتهم تزودهم بنطاق واسع من المترادفات و تعدد المعاني و التوافق اللفظي.

يستخدم التلاعب اللفظي أسماء الأماكن و الأشياء, و نحن أيضاً لدينا بعض هذه الفرص عندما ننظر عن قرب لأسماء الأماكن فحتى مدينتك أو ما حولك من أماكن ستكشف أمامك عن أصول و معاني أسماءها. لكن لا بد أن نحذر من أنه في أغلب الأحيان عندما يستخدم شعراء الإنجليزية التلاعب اللفظي فإنهم يؤكدون على “التلاعب” و حسب بحيث يستخدمون هذه التقنية ليكونوا ظريفين أو حادين. اليابانييون من جهة أخرى يستخدمون التلاعب اللفظي بلطف و جدية تضيف العمق للمعنى و ليست للتباهي و التنكيت أو التذاكي على الآخرين.

من المألوف في التانكا أن تقسم القصيدة لجزئين-العليا (الأسطر الثلاث الأولى ) و الأسفل ( آخر سطرين ) و من الواضح الآن من أين أتت الهايكو! إنها قمة هرم التانكا بعد تحريره و إذا كان قد سبق لك أن كتبت الهايكو فقد تبدأ جهودك في كتابة التانكا بإضافة ما يمكن تسميته “تذييلاً” مناسباً لإحدى الهايكوات التي كتبتها.-فقط سطرين مناسبين.

من الأساليب التي يمكن من خلالها أن تعرف ما إذا كانت القصيدة تانكا أم لا هي أن تنظر إليها و تسأل: هل حصل تغيير في الزمن أو المكان أو المزاج أو المتحدث؟رأينا كيف أن مؤلفة التانكا المجهولة قد أخذت قارئها إلى منظر طبيعي بين الصخور, و بعد المحور نقلته إلى داخل قلبها هي. في أغلب الأحيان, يكون هذا التغيير أو الحركة غاية في الدقة, و المحور ( هذا إذا وجد بالطبع ) يختفي في القصيدة بشكل ذكي. السيدة إيز كتبت في القرن العاشر الميلادي كتبت:

if only my body
were these winter-seared fields
though I burned
I could look forward
to the spring to come

لو فقط أن جسمي

كان هذه الحقول التي أحرقها الثلج..

و لو احترقت,

لاستطعت أن أتطلع

إلى الربيع ليأتي..

 

هنا: جسد الكاتبة و الحقول التي تحرق في الشتاء “تحترق”, لكن ليست هذه هي قضيتها الحقيقية. السيدة إيز ترثي إفتقارها للأمل في الربيع/الحب/ و الإثمار, ترثي يأسها الذي من كآبته ترى الحقول المحترقة أسعد منها, و هكذا تنتقل من الحقول إلى جسدها هي.

الكثير من الناس و في غمرة حماسهم لكاتبة التانكا ينسون أو يهملون هذه التقنية التي هي سمة مهمة, فهي الطريقة التي تكتسب بها التانكا فضاءاً داخلياً فلا تعود مجرد “قصيدة صغيرة”. المحور يوسع معاني الكلمات المعدودة في التانكا ليحصل القاريء على صور متعددة من بضع كلمات. عندما تباغت هذه الإرتباطات القاريء ( مثل الإرتباط بين حقل محترق و جسد إمرأة وحيدة ) فإن القاريء لن يستطيع أن يدع عنه الأحاسيس التي تولدها هذه الصورة.

اليابانييون بارعون في إلتقاط صورة من الطبيعة ثم إدراجها مكان مفهوم مجرد. نحن نقوم بنفس الشيء في الشعر الإنجليزي لكن دون أن ندرك من كل هذا غير الشعور بالسعادة إذا أشرقت الشمس و البكاء إذا أمطرت السماء. إن قراءة هذا النوع الشعري الياباني و دراسته تجعلنا متحسسين بشكل إيجابي إلى أحد مظاهر شعرنا نحن, و عندما ندرك هذا المظهر سنستطيع ان نستخدمه بشكل حاذق يؤثر على القاريء و تبدو الصورة جديدة.

أحد الأشياء التي تجعل القصيدة تبدو “مملة” هو كونها قابلة للتوقع. إذا كانت قصيدتك تتبع نفس نهج الأفكار و الأنماط التعبيرية التي سمعناها ألف مرة من قبل في قصائد أخرى فسيتجاوز القاريء ما فيها بسرعة و قد لا يقرأها للنهاية لأنه يشعر أنه يعرف ماذا ينتظره.

لكن إذا قدمت صورة غير مألوفة فليس للقاريء إلا أن يسمح لها بالتشكل في ذهنه, و إذا عاجلته بصورة أخرى غير اعتيادية أو مفاجئة فستقدح زناد الفضول الطبيعي عنده و حينها يكون سيكون القاريء ملكك. إذا عرضت على القاريء في آخر كلماتك طريقة جديدة للتفكير في الصورتين, طريقة لم يسبق أن مرت عليه, فستجبره على أن يعيد التفكير مجدداً. ثم في النهاية, إذا نجحت القصيدة ككل- فستنقل مشاعرك للقاريء من قبل إلى قبل بدلاُ من قبل إلى عقل.

قصر هذا الشكل الشعري يسهل عملية كتابة تانكا في رأسك. هذه العادة تشجعنا على التفكير بالتانكا و عندما يفعل الإنسان هذا فسيتبنى بهذا طريقة تفكير-طريقة تنظم له إنطباعاته. التانكا و على خلاف الهايكو عاطفية فهي الشكل المفتوح للتعبير عن الحالات العاطفية المتبدلة بدلاً من إخفاءها وراء الصور الطبيعية الصماء -كما في الهايكو, لكنها في الأغلب تستند على ظواهر طبيعية.

كما هو الحال في الأشكال الشعرية الأوروبية, فالحزن و الأسى عاطفتان غالباً ما تحرك الإنسان لكتابة الشعر و في التانكا هناك الكثير الكثير من التعبير عن الحزن. إضافة إلى أنه عند اليابانيين فإن الصورة المثالية للحب هو الحب غير المتبادل أو الحب من طرف واحد فأغلب شعرهم الغزلي يدور حول أشواق و رغبات لم تجد الإشباع. اليوم و مع أن بعض كتاب التانكا يتخصصون في الرثاء ( و هو ما يمكن أن ينحط لمجرد تذمر كريه ) مع ذلك, العديد من كتاب التانكا يفضلون أن يتركوها لتوثيق اللحظات الخاصة من البصيرة و الإلهام أوي إحساس غامر بالنشوة و الغموض.

في اليابان, التانكا جزء حيوي من مسرح نوه حيث تستخدم كشكل من أشكال الأدعية أو طريقة التحدث مع الآلهة. إذا خمنا بأن بدايات الشعر كانت من الأغاني و الإبتهالات الدينية ثم تحولت إلى براهين ولاء للحكام و الملوك فسنفهم كيف أصبحت في النهاية شكلاً شعرياً غزلياً. شخصياً, أفضل أن أرى تانكا تعبر عن المشاعر العميقة للشخص مهما تكن لأنه من قصائدك أنت سيرى الناس روحك فالتانكا تسمح لأعماق إنسانك الداخلي ليشرق.

و عسى أن تجدد دراستك للتانكا حماسك الشعري.

Tanka Feeling Article

مقال عن التانكا نشر في مجلة “فيلينغز” -دورية تعنى بالشعر و الفكر الشعري ( 2 من 2 )1

بقلم/جين ريتشهولد

كيف تختلف التانكا اليابانية عن الأشكال الشعرية الأخرى في لغتنا؟ و مالذي قد يضيفه التعرف عليها لأسلوبك ككاتب؟

الكتاب اليابانييون يستعملون الإستعارة بطريقة جديدة بالنسبة لنا نحن الغربيين فنحن معتادون على لفت النظر إلى إستعاراتنا و تشبيهاتنا بإستخدام أدوات التشبيه (مثل- حرف الكاف) أو حتى وضع الفعل (يشبه). اليابانييون يحرصون على تورية إستعاراتهم و إخفائها, فالإستعارة عندهم تعتمد على التراص (وضع الصور الذهنية جنباً إلى جنب ). القاريء هو الذي يفترض أنه سيحل المعادلة أو يتم المقارنة أو يربط بين الصورتين في ذهنه. أعلم أن الأمر قد يبدو غاية في البساطة, لكن عندما لا يأتي ذكر العلاقة بين صورتين تم عرضها بشكل إحترافي فإن القاريء حينها سيكون مجبراً على أن يخلق لوحة مما يقرأ ثم يبحث هناك - في ذهنه - عن الفكرة المقصودة و المغزى منها.

من المعروف أننا نتعلم بشكل أفضل عندما نكتشف الأشياء بأنفسنا بدلاً من أن نلقن حقائق ينبغي حفظها. هذه الفلسفة تنسحب على الشعر أيضاً. عندما تعرض على القاريء مجموعة من الصور - و ينبغي أن تكون صوراً صماء و ليس تجريديات يعتمد عليها الأغلب من الشعر الغربي - هذه الصور ستستدعي في الذهن مشاعر على مستوى الل شعور لدى القاريء. إن كانت متعارضة في البداية, فسيجبر راغباً على الإنتقال من صورة لأخرى, و بهذه التقلة يصل لرؤية الصورتين في علاقة جديدة. بإقتضاء مشاركة القاريء في صنع الإرتباط بين الصور فأنت تضمن منه الإنتباه على الأقل, و إن كنت قد استخدمت صوراً ذات مغزى في شكل عاطفي فستضمن قلبه أيضاً.

لنجرب هذا. هذه قصيدة من أنطولوجيا إمبراطورية يابانية (الكوكينشو) و نشرت عام 905 م, كاتبها مجهول ما يعني على الأرجح أنها إمرأة:

if there is a seed
the pine will sprout
even among boulders
if I love and keep on loving
will we not meet someday?

لو كانت هنك بذرة,

فستورق الصنوبرة..

حتى و إن بين الصخور..

لو أحببت و بقيت على حبي,

ألن نلتقي ذات يوم؟؟

هذه القصيدة مثال واضح للطريقة اليابانية. تتحدث عن الطبيعة و ما هو طبيعي بطريقة تجعل السطر (الثالث هنا) قابلاً لتمثيل المشهدين/الصورتين في القصيدة. عبارة “بين الصخور” تصف الأرض التي قد تسقط فيها بذرة الصنوبر كما إنها إستعارة للعثرات التي تملأ طريق العشاق. عبارة كهذه تدعى “المحور” لأنها نقطة تغير تبدل موضوع القصيدة لتشبر لمو ضوع آخر. حاول أن تقرأ أول ثلاثة أسطر, ثم اقرأ أخر ثلاثة أسطر. ألا ترى أن كلاً منهما هي وحدة متكاملة بذاتها؟ هذا هو هدفك, لن تصل كل القصائد لهذا المستوى العالي لكن القصائد المتفوقة ستفعل.

« الإدخالات السابقة